ابن أبي الحديد

206

شرح نهج البلاغة

مضوا يرتادون غير هذا المنزل ، فرجع هزيم إلى المهلب ، فأخبره ، فارتحل حتى نزل خندق قطري ، فجعل يقاتل عبد ربه أحيانا بالغداة ، وأحيانا بالعشي ، فقال رجل من سدوس ، يقال له المعتق ، وكان فارسا : ليت الحرائر بالعراق شهدننا * ورأيننا بالسفح ذي الأجبال فنكحن أهل الجد من فرساننا ( 1 ) * والضاربين جماجم الابطال ووجه المهلب يزيد ابنه إلى الحجاج يخبره بأنه قد نزل منزل قطري ، وأنه مقيم على عبد ربه ، ويسأله أن يوجه في أثر قطري رجلا جلدا . فسر بذلك الحجاج سرورا أظهره . ثم كتب إلى المهلب يستحثه لمناجزة القوم مع عبيد بن موهب : أما بعد ، فإنك تتراخى عن الحرب حتى تأتيك رسلي فيرجعون بعذرك ، وذلك أنك تمسك حتى تبرأ الجراح ، وتنسى القتلى ، وتحمل الكال ( 2 ) ثم تلقاهم ، فتحمل منهم ثقل ما يحتملون منك من وحشة القتل ، وألم الجراح ، ولو كنت تلقاهم بذلك الجد لكان الداء قد حسم ، والقرن ( 3 ) قد قصم ، ولعمري ما أنت والقوم سواء ، لان من ورائك رجالا ، وأمامك أموالا ، وليس للقوم إلا ما نعهد ، ولا يدرك الوجيف ( 4 ) بالدبيب ، ولا الظفر بالتعذير . فلما ورد عليه الكتاب ، قال لأصحابه : يا قوم إن الله قد أراحكم من أمور أربعة : قطري بن الفجاءة ، وصالح بن مخراق ، وعبيدة بن هلال ، وسعد بن الطلائع ، وإنما بين أيديكم عبد ربه الصغير في خشار من خشار ( 5 ) الشيطان ، تقتلونهم إن شاء الله تعالى .

--> ( 1 ) الكامل : ( أهل الجزء ) ، والجزء : الغناء والكفاية في الحرب . ( 2 ) الكامل : ( ويجم الناس ) . ( 3 ) قصم القرن ، أي كسر ، يكنى بذلك عن هلاك القوم . ( 4 ) الوجيف : ضرب من السير السريع . ( 5 ) الخشار : الردئ وما لا خير فيه .